الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
178
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
المقدمة الأولى لبيان كون المتبادر من الصيغة هو طلب إيجاد الطبيعة في الجملة فبعد ملاحظة المقدمتين يتم المدعى ففيه أن ذلك ممّا لا يكون إثباته بالبيان المذكور إذ خروج كل من الأمرين عن الطبيعة المطلقة لا يقضي بخروجه عن مدلول الصيغة الذي هو طلب الطبيعة في الجملة الحاصلة بكل من الوجوه الثلاثة ويمكن أن يقال إنه وإن كان خروج المرة والتكرار عن الطبيعة المطلقة أمرا ظاهرا إلا أنه لا بد من ملاحظته في المقام لتوقف الاحتجاج عليه ووضوح المقدمة لا يقضي عدم اعتبارها في الاحتجاج نعم لم يكتف المصنف رحمه الله بمجرد ظهورها بل أراد بيانها ليتضح الحال في الاستدلال فلما أثبت أولا بكون المتبادر من الأمر بعد الرجوع إلى العرف هو طلب حقيقة الفعل كون الصيغة حقيقة في طلب نفس الحقيقة بين بذلك كون خصوص كل من المرة والتكرار خارجا عن حقيقة الفعل غير مأخوذ فيها كالزمان والمكان ليندفع به احتمال كون أحدهما مأخوذا في حقيقة الفعل فيكون الدال على الحقيقة دالا عليه فالغرض أيضا حينئذ من ذلك الحال ليكون آكد في إثبات المطلوب ويمكن أن يقرر الاحتجاج بوجهين آخرين يتضح الحاجة فيهما إلى بيان المقدمتين المذكورتين أحدهما أن المقصود من كون المتبادر من الأمر طلب حقيقة الفعل هو طلب حقيقة الفعل بمعناه الحدثي أعني المصدري كما سنشير إليه في التقرير الثاني فيثبت بالمقدمة الأولى كون الصيغة حقيقة في طلب معناها المادي من دون إفادة الهيئة مما يزيد على ذلك فيثبت بذلك عدم دلالة الأمر بهيئته على شيء من المرة والتكرار ثم بين بقوله والمرة والتكرار خارجان إلى آخره أن معناه الحدثي لا دلالة فيه على شيء من الأمرين فإنه بعد الرجوع إلى العرف لا يفيد خصوص شيء منهما كما هو الحال في الزمان والمكان فيثبت بذلك كون مدلوله المادي هو الطبيعة المطلقة فيفيد ذلك عدم دلالته على شيء من الأمرين بمادته وبه يتم المدعى من عدم دلالة الأمر على شيء من الأمرين مطلقا وثانيهما أن المقصود بالتبادر المدعى عدم دلالة الأمر بالمطابقة أو التضمن على شيء من المرة أو التكرار حيث إن مدلوله ليس إلا طلب حقيقة الفعل ومن البين خروج المرة والتكرار عن نفس الطبيعة والمراد بقوله والمرة والتكرار خارجان إلى آخره بيان انتفاء الدلالة الالتزامية فإن الخارج من الحقيقة قد يكون مدلولا التزاميا لها ولا يفيد خروجه عن المدلول انتفاء الدلالة عليه فقال إن المرة والتكرار خارجان عن حقيقته على نحو الزمان والمكان يعني أنه ليس مما لا يمكن انفكاك تصور الطبيعة عن خصوص واحد منها إذ يتصور طلب الفعل من دون ملاحظة شيء منهما كما هو الحال في الزمان والمكان والآلة فعلى هذا يكون قوله كالزمان والمكان قيدا مأخوذا في المقدمة المذكورة وهذا الوجه بعيد من سياق العبارة كما لا يخفى قوله نعم لما كان المرة قد يتراءى من ذلك كون المرة ملحوظة على وجه لا بشرط مستفادة من الصيغة نظرا إلى الوجه المذكور غاية الأمر أن يكون مدلولا التزاميا للصيغة لا وضعا وذلك لا يقضي بالفرق في نفس المدلول إذا قضى ذلك الفرق بينهما في كيفية الدلالة ولا فائدة فيه بعد حصول الإفادة على ما هو المقصود وفيه أن كون المرة أقل ما يتمثل به الأمر يفيد حصول الامتثال بالأكثر أيضا وذلك مما لا يقوله القائل بكون الأمر للمرة فقضية البيان المذكور حصول الامتثال بالمرة قطعا وإن قضت الصيغة بحصوله بالأكثر أيضا ولا ربط له بما يقوله القائل بالمرة ومع الغض عنه فالقائل بالمرة يجعل خصوص المرة مندرجة في المأمور به بخلاف ما يستفاد من الوجه المذكور فإن أقصى ما يفيده حصول المطلوب بها لا أنها مطلوبة بخصوصها وفرق بيّن بين الصّورتين الوجهين قوله وبتقرير آخر الفرق بين هذا التقرير والتقرير الأول ظاهر من حيث البيان على ما هو الشأن في اختلاف التقريرين وبينهما مع ذلك اختلاف آخر في بيان عدم دلالة المصدر على خصوص المرة والتكرار حيث إنه احتج عليه في الأول بمجرد خروجه عن الطبيعة كالزمان والمكان وقد احتج هنا عليه بكونه أعم من الأمرين حيث إنه يصح تقييده بكل من القيدين والعام لا دلالة فيه على الخاص قوله ومن المعلوم أن الموصوف إلى آخره لا يخفى أن التقابل المذكور إنما هو بين الوحدة المعتبرة بشرط لا والتكرار دون الوحدة الملحوظة لا بشرط شيء لحصولها في ضمن التكرار أيضا فغاية ما يلزم من البيان المذكور أن يكون مفاد الأمر قابلا للتقييد بالقيدين المذكورين وكما الطبيعة المطلقة قابلة للتقييد بالقيدين المذكورين فكذا الطبيعة المأخوذة بملاحظة الوحدة المفروضة الملحوظة لا بشرط شيء لوضوح أن اللا بشرط يجامع ألف شرط فلا يفيد مجرد ما ذكره كون الوحدة المفروضة غير مأخوذة في الفعل بمعنى المصدر ثم إنه يمكن أن يقال إن تقييد المصدر بالصفات المتقابلة لا يفيد كونه حقيقة في الأعم إذ قد يكون التقييد قرينة على التجوز فصحة التقييد القيدين دليل على جواز إرادة الأعم وصحة إطلاقه عليه وهو أعم من الحقيقة فقد يكون إذن حقيقة في خصوص المتصف بأحد القيدين ومع ذلك يصح تقييده بالآخر من باب المجاز ويمكن دفعه بأن مراد المصنف بذلك أن حقيقة الفعل إذا لوحظت على إطلاقها مع قطع النظر عن ملاحظة شيء آخر معها كانت قابلة للتقييد بالوصفين فذلك دليل على كونها أعم من الأمرين إذ لو كانت مختصة بأحدهما لم يكن بذاتها قابلة للتقييد بالآخر وإنما يقبله مع ملاحظتها بوجه آخر قابل لذلك وهو خلاف المفروض ويمكن الاحتجاج على ذلك أيضا بأن الأفعال مشتقة من المصادر الخالية عن التنوين فإنها من عوارض الاستعمال وما يؤخذ منها الأفعال ليست جارية في الاستعمال حتى يلحقها التنوين وقد يقرر أن المصادر الخالية عن التنوين موضوعة للطبيعة من حيث هي فإنها من أسام الأجناس على أنه قد حكى السكاكي في المفتاح أنه لا نزاع في وضع غير المنوّن من المصادر للطبيعة من حيث هي وأن ما وضع فيه النزاع من أسامي الأجناس في وضعه للطبيعة المطلقة أو المأخوذة بشرط الوحدة إنما هو فيما عدا غير المنون المصادر ويشهد بذلك أن ابن الحاجب مع اختياره في الإيضاح على خلاف